الرئيسية

كوباني تحت ضغط داعش.. القرى تفرغ والمعركة تقترب من المدينة

بعد نحو أسبوعين على بدء الهجوم، يتواصل نزوح السكان من الريف فيما يحشد تنظيم داعش قواته حول المدينة، وسط مخاوف من انتقال المعارك إلى داخلها

جومرد حجي عبد القادر – كوباني

منذ أيام، لم تعد الطرق المحيطة بكوباني تشبه ما كانت عليه قبل بدء هجوم تنظيم «الدولة الإسلامية».

قرى كثيرة أُفرغت من سكانها، وعائلات بأكملها حملت ما استطاعت حمله واتجهت نحو الحدود التركية، فيما بقي المقاتلون على خطوط الجبهة يحاولون منع التنظيم من الوصول إلى المدينة.

خلال تنقلي ومتابعتي لما يجري في المنطقة، بدا واضحاً أن الخوف لم يعد مرتبطاً فقط بسقوط قرية جديدة، بل باحتمال أن تصبح كوباني نفسها ساحة المعركة المقبلة.

في 23 سبتمبر/أيلول، قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 138 ألف شخص، غالبيتهم من الأكراد السوريين، عبروا إلى تركيا خلال أيام قليلة هرباً من تقدم داعش في بلدات وقرى شمال سوريا.

هذا الرقم يظهر حجم التحول الذي شهدته المنطقة خلال أقل من أسبوعين.

فالقرى التي كان سكانها يعيشون حياتهم المعتادة قبل أيام، تحولت اليوم إلى مواقع عسكرية أو مناطق خالية إلا من المقاتلين.

الخوف يصل قبل المقاتلين

في ريف كوباني، لم يكن على الأهالي انتظار وصول عناصر داعش إلى أبواب بيوتهم حتى يقرروا المغادرة.

سمعة التنظيم سبقته.

خلال الأشهر الماضية، وصلت إلى السكان أخبار الإعدامات والخطف والممارسات التي ارتكبها داعش في مناطق أخرى من سوريا والعراق، ولذلك كانت أخبار سقوط قرية قريبة كافية أحياناً لدفع عائلات كاملة إلى ترك منازلها.

رأينا عائلات تصل إلى الحدود وهي تحمل حقائب صغيرة لا تتناسب مع حياة تركت خلفها.

بعضهم خرج سريعاً ولم يأخذ معه إلا الوثائق والملابس الضرورية.

وآخرون تركوا المواشي والمحاصيل وحتى أبواب المنازل مفتوحة.

في مثل هذه الظروف، لا يفكر الإنسان كثيراً بما سيحمله.

يفكر فقط في كيفية إخراج أطفاله من المكان قبل وصول الحرب.

تجربة سابقة مع أطفال كوباني

خوف الأهالي من داعش لا يستند فقط إلى ما يسمعونه عن مناطق أخرى.

في 29 مايو/أيار الماضي، اختطف التنظيم 153 صبياً كردياً من أبناء كوباني أثناء عودتهم من امتحاناتهم في مدينة حلب.

كان معظمهم في الثالثة عشرة والرابعة عشرة من العمر.

أفرج التنظيم عن الفتيات، لكنه أبقى الصبية محتجزين في منطقة منبج، وفق ما وثقته منظمة Human Rights Watch.

في كوباني، لم تكن هذه الحادثة خبراً عابراً.

كانت هناك عائلات تنتظر أبناءها.

ولهذا، عندما بدأ الهجوم الحالي، كان لدى الناس سبب حقيقي للخوف على أطفالهم.

من الصعب إقناع أب بالبقاء في قريته عندما يعرف أن تنظيماً يحتجز أبناء مدينته منذ أشهر.

الطريق إلى الحدود

أكثر ما يلفت النظر في الأيام الأخيرة هو حجم الحركة باتجاه تركيا.

رجال ونساء وأطفال ومسنون يعبرون المنطقة الحدودية، وبعض العائلات انفصل أفرادها أثناء النزوح قبل أن يجتمعوا لاحقاً في الجانب الآخر.

لا توجد صورة واحدة تستطيع أن تختصر المشهد.

هناك امرأة تحمل طفلها.

رجل مسن يتوقف كل عدة أمتار ليستريح.

شاب يعود باتجاه القرية بعدما أوصل عائلته إلى مكان أكثر أمناً.

وفي الخلفية يسمع صوت القصف القادم من المناطق التي تدور فيها الاشتباكات.

من السهل أن نكتب في الخبر أن أكثر من مئة ألف شخص نزحوا.

لكن عندما ترى الناس على الطريق، يتغير معنى الرقم.

كل شخص منهم ترك منزلاً وعملاً وأرضاً وحياة كاملة لا يعرف متى يستطيع العودة إليها.

داعش يواصل الضغط

رغم بدء الضربات الجوية للتحالف الدولي ضد مواقع تنظيم داعش في سوريا، لم يشعر سكان كوباني بأن الخطر انتهى.

على الأرض، ما تزال المعارك مستمرة.

التنظيم يواصل نقل المقاتلين والأسلحة باتجاه المنطقة، فيما تحاول وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة وقف تقدمه على عدة جبهات.

المشكلة الرئيسية التي يتحدث عنها المقاتلون والمدنيون هنا هي الفارق في التسليح.

داعش لا يدخل المعركة بأسلحة خفيفة فقط.

التنظيم استولى خلال توسعه في سوريا والعراق على مدافع وآليات وأسلحة ثقيلة، وأصبح يستخدمها في محاولته اختراق خطوط الدفاع المحيطة بكوباني.

لهذا، فإن مجرد استمرار المدينة في الصمود حتى الآن لا يعني أن الخطر أصبح أقل.

بل العكس.

كلما اقترب التنظيم من المدينة أصبحت المعركة أكثر صعوبة.

قرى بلا سكان

في بعض المناطق التي انسحب منها المدنيون، تغير المشهد خلال أيام.

منازل مغلقة.

حقول بلا أصحاب.

طرق كانت تعج بالحركة أصبحت شبه فارغة.

هذه ليست نتيجة جانبية للمعركة.

النزوح أصبح جزءاً أساسياً من الصورة.

فداعش حين يتقدم إلى منطقة جديدة، لا يسيطر على الأرض فقط؛ الخوف من ممارساته يدفع كثيراً من السكان إلى مغادرتها حتى قبل دخوله.

وفي حالة كوباني، كان الأكراد هم المتضرر الأكبر من هذا التقدم.

خلال أيام قليلة، انتقلت أعداد هائلة من سكان المنطقة إلى الجانب التركي من الحدود.

بالنسبة إلى هؤلاء، لم يعد السؤال متى تنتهي المعركة فقط.

السؤال أيضاً: ماذا سيجدون عندما يعودون؟

مدينة تنتظر

في داخل كوباني، الحياة لم تعد طبيعية.

الكثير من العائلات غادرت، وبعض من بقي أرسل النساء والأطفال بعيداً وأبقى الرجال في المدينة.

المحال التجارية تعمل بصورة محدودة، والحديث في الشوارع يدور حول الجبهات وأخبار القرى أكثر من أي شيء آخر.

كل خبر عن تقدم داعش ينتشر بسرعة.

وكل خبر عن صد هجوم يعطي الناس بعض الأمل.

لا أحد يعرف بالضبط أين ستكون الجبهة غداً.

لكن الجميع يعرف أن المسافة بين التنظيم والمدينة أصبحت أقل مما كانت عليه قبل أسبوع.

ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها المنطقة

خلال الصيف الحالي، كانت المناطق المحيطة بكوباني قد تعرضت لهجمات أخرى.

ووثقت Human Rights Watch أدلة على استخدام تنظيم داعش ذخائر عنقودية خلال مواجهات مع القوات الكردية قرب كوباني في يوليو/تموز وأغسطس/آب.

وهذا يعطي صورة عن طبيعة السلاح المستخدم في المعركة.

بالنسبة للمدني، لا فرق كبيراً بين أن تسقط القذيفة أثناء الاشتباك أو أن تبقى ذخيرة غير منفجرة في الأرض بعد انتهاء القتال.

الخطر يبقى موجوداً.

ماذا تعني كوباني لداعش؟

من الناحية العسكرية، السيطرة على كوباني تمنح داعش مكسباً مهماً على الحدود السورية التركية، وتسمح له بتوسيع المنطقة الخاضعة لسيطرته في شمال سوريا.

لكن بالنسبة إلى سكان المنطقة، المعنى مختلف تماماً.

كوباني ليست مجرد نقطة حدودية.

هي مدينة تحيط بها عشرات القرى التي عاش فيها الأكراد منذ أجيال.

لهذا يرى كثير من السكان أن المعركة ليست دفاعاً عن إدارة أو قوة عسكرية فقط، بل دفاع عن إمكانية البقاء في أرضهم.

داعش يريد السيطرة على المنطقة.

أما من يقاتله هنا فيريد منع التنظيم من فرض سلطته على مدينة كاملة بقوة السلاح.

كصحفي من المنطقة

من الصعب بالنسبة لي أن أنظر إلى هذه الأحداث كخبر بعيد.

حين تعرف أسماء القرى التي ترد في الأخبار، وحين تعرف الطرق التي يسير عليها النازحون، تصبح صياغة الخبر مختلفة.

الأرقام ضرورية.

وموازين القوى مهمة.

لكنها لا تشرح كل شيء.

ما يحدث هنا هو أيضاً قصة أناس تحولوا خلال أيام من سكان في بيوتهم إلى لاجئين على الحدود.

وأطفال خرجوا من قراهم وهم لا يعرفون لماذا يجب عليهم المغادرة.

وأهالٍ يتابعون من الجانب التركي الدخان المتصاعد من المنطقة التي تركوا فيها منازلهم.

من هنا، يبدو الحديث عن «تقدم داعش» مختلفاً عما يظهر على الخريطة.

كل كيلومتر يتقدم فيه التنظيم قد يعني قرية أخرى خالية وعشرات العائلات الجديدة على طريق النزوح.

الأيام المقبلة

من الصعب الآن التنبؤ بما ستؤول إليه المعركة.

الغارات الجوية بدأت، لكن داعش ما يزال موجوداً على الأرض ويواصل الضغط باتجاه المدينة.

القوات الكردية تحاول الصمود.

والحدود التركية تستقبل المزيد من النازحين.

أما كوباني، فتنتظر.

قد تتحول الأيام المقبلة إلى أصعب مرحلة منذ بدء الهجوم.

لكن حتى مساء اليوم، ما تزال المدينة خارج سيطرة داعش.

وبالنسبة إلى أهلها الذين ينظرون إليها من طرفي الحدود، هذه الحقيقة وحدها أصبحت شديدة الأهمية.

زر الذهاب إلى الأعلى