كوباني تحت الحصار.. داعش يطرد الأكراد من قراهم والمدينة تقاوم
قرى تسقط تباعاً وعائلات تهجر منازلها خلال ساعات، بينما يواصل داعش تقدمه نحو كوباني وسط مقاومة كردية شرسة
جومرد حجي عبد القادر
لم تعد المسافة بين الموت والحياة هنا تُقاس بالكيلومترات.
منذ أيام، تتقدم مجموعات تنظيم «الدولة الإسلامية» باتجاه كوباني من أكثر من محور. قرى تسقط تباعاً، طرق تمتلئ بالعائلات الهاربة، وأهالٍ يتركون خلفهم البيوت والأرض والمحاصيل وكل ما جمعوه خلال سنوات، بحثاً عن مكان لا تصل إليه رايات داعش السوداء.
الهجوم الذي اشتد منذ منتصف سبتمبر/أيلول لم يعد مجرد معركة عسكرية على مدينة حدودية. بالنسبة لنا نحن أبناء هذه المنطقة، ما يحدث يبدو كأنه محاولة لإفراغ الريف الكردي من سكانه ودفع مجتمع كامل نحو الحدود.
خلال أيام فقط، تغير وجه كوباني وريفها.
قرى تُترك خلال ساعات
في القرى المحيطة بكوباني، لا يحتاج الناس إلى كثير من الأخبار حتى يقرروا الرحيل.
يكفي أن يصلهم أن داعش أصبح في القرية المجاورة.
العائلات تعرف مسبقاً ماذا يعني وصول التنظيم. أخبار الإعدامات والخطف والممارسات التي رافقت تقدمه في مناطق أخرى سبقت عناصره إلى هنا، ولهذا لا ينتظر كثير من المدنيين حتى تبدأ المعركة داخل قراهم.
يغادرون بما يستطيعون حمله.
امرأة تمسك بيد طفل، رجل مسن يحاول اللحاق بعائلته، وآخرون يحملون أكياساً صغيرة فيها ما بقي من حياة كاملة جُمعت على عجل.
لا أحد يعرف متى سيعود.
وربما السؤال الأكثر قسوة الذي يتردد اليوم ليس: «متى سنعود؟»، بل: هل سيبقى شيء نعود إليه؟
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقول إن نحو 130 ألف شخص عبروا إلى تركيا خلال بضعة أيام فقط، ومعظمهم من أكراد منطقة كوباني. وفي 23 سبتمبر ارتفع العدد إلى أكثر من 138 ألف لاجئ.
هذه الأرقام وحدها تختصر حجم ما يجري.
مدينة وريف كاملان يكادان ينتقلان إلى الطرف الآخر من الحدود.
داعش لم يبدأ حربه على أطفال كوباني اليوم
الخوف الذي يعيشه الأهالي ليس وليد الهجوم الحالي.
قبل أشهر، في 29 مايو/أيار، اعترض تنظيم داعش طريق مئات الطلاب الأكراد أثناء عودتهم إلى كوباني بعد تقديم امتحاناتهم في حلب.
احتجز التنظيم 153 صبياً كردياً، معظمهم في سن الثالثة عشرة والرابعة عشرة، فيما أطلق الفتيات.
ومنذ ذلك الوقت أصبح اسم داعش مرتبطاً في ذاكرة كثير من عائلات كوباني ليس بجبهة عسكرية فقط، بل بأطفال خرجوا لتقديم امتحان مدرسي ولم يعودوا إلى بيوتهم.
فأي حرب هذه التي يصبح فيها الطالب رهينة لأنه كردي ومن كوباني؟
وأي مشروع يمكنه أن يبرر احتجاز الأطفال وإخضاعهم لأفكار تنظيم مسلح بدلاً من إعادتهم إلى مدارسهم وأمهاتهم؟
اليوم، وبينما يقترب التنظيم أكثر من المدينة، تعود تلك الحادثة إلى أذهان الأهالي. من عاش تجربة خطف أطفاله قبل أشهر لا يستطيع أن يطلب من عائلته البقاء في قرية وصل داعش إلى مشارفها.
حتى الأرض أصبحت تخبئ الموت للأطفال
في أغسطس/آب الماضي، قبل الهجوم الحالي بأسابيع، كانت القرى المحيطة بكوباني قد بدأت تتعرف إلى سلاح آخر يستخدمه التنظيم.
منظمة Human Rights Watch قالت إن الأدلة تشير إلى استخدام داعش ذخائر عنقودية في هجمات على المنطقة خلال يوليو/تموز وأغسطس/آب.
وفي قرية جوي جنوب كوباني، انفجرت ذخيرة صغيرة متبقية من إحدى تلك الهجمات عندما عثر عليها طفلان في الثامنة والحادية عشرة من العمر.
قُتل الطفل الأكبر وأصيب الآخر.
هكذا أصبحت الحرب تلاحق الأطفال حتى عندما يصمت صوت المدفع.
قد ينتهي القصف، لكن قطعة صغيرة تبقى في التراب، يلتقطها طفل لا يعرف ما هي، فتنفجر بين يديه.
لماذا كل هذا الهجوم على كوباني؟
داعش لا يخفي رغبته في السيطرة على المنطقة.
سقوط كوباني سيمنح التنظيم امتداداً مهماً على الحدود السورية التركية وسيزيل واحدة من أبرز المناطق الكردية التي بقيت خارج سيطرته.
لهذا يدفع بمقاتليه وسلاحه الثقيل باتجاه المدينة من عدة جبهات.
لكن المسألة بالنسبة إلى أهل كوباني ليست خريطة عسكرية.
هذه أرضهم.
الناس هنا لم يأتوا إليها مع هذه الحرب، ولم تظهر قراهم مع ظهور داعش. هذه البيوت والحقول والقرى موجودة منذ أجيال.
ولهذا فإن مطالبة السكان بالتخلي عنها تحت تهديد السلاح تعني لهم شيئاً أكبر بكثير من خسارة معركة.
إنها خسارة وطن صغير بناه كل واحد منهم حول بيته وأرضه.
كوباني لا تزال واقفة
رغم كل ما يحدث في الريف، لا تزال المدينة تقاوم.
مقاتلو وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة ينتشرون على الجبهات المحيطة بها ويحاولون وقف تقدم داعش، فيما يراقب من بقي من المدنيين الأخبار ساعة بساعة.
السؤال الآن هو إلى أي مدى يستطيع المدافعون الصمود أمام تنظيم يملك كمية كبيرة من الأسلحة الثقيلة والذخائر التي استولى عليها خلال توسعه في سوريا والعراق.
لكن شيئاً واحداً يبدو واضحاً حتى الآن:
داعش استطاع تهجير عشرات الآلاف، واستطاع السيطرة على قرى، لكنه لم يستطع أن يجعل كوباني تستسلم.
نحن لا نكتب عن معركة بعيدة
بالنسبة لي كصحفي من هذه المنطقة، من الصعب التعامل مع ما يحدث كخبر عسكري عابر.
حين تكتب عن مئة ألف إنسان نزحوا، قد يبدو الرقم ضخماً للحظة ثم يتحول في نشرات الأخبار إلى مجرد إحصائية.
لكن هؤلاء ليسوا رقماً.
إنهم أهل قرانا.
بينهم من ترك منزله للمرة الأولى في حياته، ومن أغلق باب بيته وهو لا يعرف إن كان سيعود ليفتحه، ومن حمل طفله وسار نحو الحدود لأن البديل كان انتظار مقاتلي داعش.
داعش يريد أن يجعل الخوف سلاحه الأول.
يريد أن تدخل سمعته إلى القرية قبل مقاتليه، فيغادر الناس قبل وصوله، وتصبح الأرض فارغة أمامه.
وما يحدث حول كوباني اليوم يثبت أن هذا السلاح مؤلم وفعال؛ عشرات الآلاف تركوا منازلهم خلال أيام.
لكن التنظيم يرتكب خطأ إذا اعتقد أن خروج الناس من بيوتهم يعني تخليهم عنها.
اللاجئ الذي ينظر اليوم من الجانب التركي باتجاه قريته لا يعتبر نفسه تنازل عنها.
هو ينتظر اليوم الذي يستطيع فيه العودة.
هذه ليست حرب الأكراد وحدهم
قد تكون كوباني مدينة كردية، وقد يكون معظم الذين يهجرهم داعش اليوم من الأكراد، لكن الخطر الذي يمثله هذا التنظيم لا يقف عند حدود قومية أو مدينة واحدة.
التنظيم الذي يخطف الأطفال ويهدد المدنيين ويجبر عشرات الآلاف على ترك بيوتهم لا يحمل مشروعاً للتحرير، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.
إنه مشروع يقوم على إخضاع المجتمع بالقوة والخوف.
وإذا سقطت كوباني اليوم، فلن تكون النهاية عند حدودها.
لهذا فإن الدفاع عنها ليس دفاعاً عن مدينة كردية فقط، بل عن حق الناس في البقاء في بيوتهم من دون أن يفرض عليهم مسلح قادم من خارج قريتهم كيف يعيشون، وبماذا يؤمنون، ومتى يرحلون.
على الجانب الآخر من الحدود يقف اليوم عشرات الآلاف ينتظرون خبراً عن مدنهم وقراهم.
وفي داخل كوباني يستمر القتال.
لا نعرف كيف ستكون الأيام المقبلة.
لكننا نعرف شيئاً واحداً:
داعش استطاع أن يجعل طرق كوباني تمتلئ بالنازحين، لكنه حتى هذه اللحظة لم يستطع أن يجعل أهلها يعتبرون الهزيمة قدراً.








































