الرئيسية

داعش يدخل أطراف كوباني.. المعركة تنتقل إلى شوارع المدينة

بعد ثلاثة أسابيع من الهجوم، مقاتلو التنظيم يخترقون الجهة الشرقية للمدينة، فيما يخوض المقاتلون الأكراد معارك شوارع لمنع تقدمهم نحو المركز

جومرد حجي عبد القادر – كوباني

لم تعد المعركة اليوم في قرى كوباني البعيدة أو على الطرق المؤدية إليها.

المعركة أصبحت داخل المدينة نفسها.

بعد نحو ثلاثة أسابيع من الهجوم المتواصل، تمكن مقاتلو تنظيم «الدولة الإسلامية» من اختراق أجزاء من الجهة الشرقية لكوباني، وبدأت اشتباكات مباشرة داخل المناطق السكنية بين عناصر التنظيم والمقاتلين الأكراد المدافعين عن المدينة.

رايات داعش السوداء ظهرت على مواقع في الطرف الشرقي، في مشهد يؤكد أن التنظيم الذي بدأ هجومه قبل أسابيع من عشرات الكيلومترات أصبح اليوم على تخوم مركز المدينة.

لكن كوباني لم تسقط.

حتى صباح اليوم، ما زالت الاشتباكات مستمرة، وتحاول وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة وقف تقدم التنظيم وإبعاده عن الأحياء التي تمكن من الوصول إليها.

المعركة بين البيوت

خلال الأيام الماضية تغيرت طبيعة القتال.

قبل أسبوع كان الحديث عن قرى ومواقع خارج المدينة.

اليوم أصبحت الأحياء والشوارع نفسها جزءاً من الجبهة.

في معارك الشوارع تقل المسافات، وتتحول الأبنية إلى مواقع دفاع، ويصبح كل تقاطع طريق نقطة يمكن أن يتغير عندها ميزان المواجهة.

بالنسبة للمقاتلين المدافعين عن كوباني، المشكلة لا تقتصر على عدد عناصر داعش.

التنظيم يملك دبابات ومدافع وقذائف هاون وأسلحة ثقيلة استولى على جزء كبير منها خلال توسعه في سوريا والعراق.

الأمم المتحدة قالت اليوم إن المدافعين عن كوباني يقاتلون بأسلحة عادية في مواجهة تنظيم يملك الدبابات وقذائف الهاون، وحذرت من أن المدينة أصبحت في وضع شديد الخطورة.

رايات داعش على أطراف المدينة

رفع التنظيم راياته فوق عدد من المواقع التي وصل إليها في الجهة الشرقية.

بالنسبة لداعش، الصورة مهمة بقدر أهمية السيطرة العسكرية.

التنظيم يستخدم رايته لإعلان النصر وبث الخوف في المناطق التي يحاول التقدم إليها.

لكن وجود الرايات على بعض الأبنية لا يعني أن المدينة سقطت.

المقاتلون الأكراد ما زالوا داخل كوباني، والاشتباكات مستمرة على أكثر من محور.

المعركة اليوم تدور حول منع الاختراق الذي حققه داعش من التحول إلى سيطرة كاملة.

أكثر من مئتي ألف شخص خارج ديارهم

في الوقت الذي تنتقل فيه المعركة إلى داخل المدينة، أصبحت غالبية سكان كوباني وريفها خارج منازلهم.

الأمم المتحدة قالت اليوم إن تركيا استقبلت أكثر من 200 ألف شخص من سكان منطقة كوباني خلال الأسابيع الماضية.

قبل أقل من شهر كانت هذه القرى مليئة بسكانها.

اليوم أصبحت مناطق واسعة منها فارغة تقريباً.

ووثقت تقارير حقوقية لاحقاً أن داعش كان قد استولى بحلول مطلع أكتوبر على نحو 350 قرية وبلدة كردية في محيط كوباني، ما أدى إلى موجة نزوح هائلة نحو تركيا.

بالنسبة للنازحين، المسألة لم تعد فقط أين سيقضون الليلة.

السؤال أصبح: هل سيبقى بيت يمكن العودة إليه؟

من بقي في المدينة

مع وصول القتال إلى الأحياء، أصبح وجود المدنيين أكثر خطورة.

الغالبية غادرت، فيما بقي عدد محدود من المدنيين إلى جانب المقاتلين.

بعض من خرجوا من المدينة يقفون اليوم على الجانب الآخر من الحدود التركية، ينظرون باتجاه كوباني ويراقبون الدخان المتصاعد منها.

المسافة قصيرة.

يمكن مشاهدة المعركة من الحدود.

لكن بالنسبة لمن ترك بيته خلفه، تبدو المدينة أبعد من أي وقت مضى.

ثلاثة أسابيع غيرت المنطقة

في 16 سبتمبر/أيلول بدأ الهجوم الواسع.

خلال الأيام الأولى سقطت عشرات القرى.

بعدها تحولت الطرق إلى مسارات نزوح جماعي.

ثم اقتربت المدفعية من المدينة.

واليوم أصبح مقاتلو داعش داخل أجزاء منها.

هذه السرعة هي أكثر ما يثير القلق.

داعش لا يتقدم فقط بقوة السلاح.

الخوف الذي سبق عناصره دفع سكان قرى كثيرة إلى المغادرة قبل وصولهم.

في بعض المناطق دخل التنظيم إلى قرى لم يبق فيها سوى عدد قليل من كبار السن أو من رفضوا ترك ممتلكاتهم.

وتشير شهادات موثقة لاحقاً إلى أن بعض الذين لم يتمكنوا من الفرار تعرضوا للقتل أو الاعتقال على يد عناصر التنظيم.

أين الدولة السورية؟

وسط المعركة الدائرة اليوم، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله.

كوباني مدينة سورية.

لكن القوات الحكومية غير موجودة على الأرض للدفاع عنها.

منذ انسحاب قوات النظام من المنطقة قبل نحو عامين، أصبحت القوات الكردية المحلية هي القوة العسكرية الرئيسية الموجودة داخل المدينة.

واليوم، بينما يهدد داعش بالسيطرة على كوباني، يقاتل أبناؤها بأنفسهم لمنع سقوطها.

هذا الغياب يترك انطباعاً ثقيلاً لدى كثيرين هنا.

فالدولة التي يفترض أنها مسؤولة عن حماية جميع أراضي البلاد ليست موجودة عندما تتعرض مدينة سورية لهجوم واسع من تنظيم متطرف.

في المقابل، المساعدة العسكرية الأكثر وضوحاً تأتي من غارات التحالف الدولي.

ومن الصعب تجاهل المفارقة.

المدينة داخل الحدود السورية، لكن من يدافع عنها على الأرض هم مقاتلون محليون، ومن يقصف داعش من الجو طائرات أجنبية.

أما دمشق، فبعيدة عن المعركة.

غارات في السماء.. وقتال على الأرض

خلال الساعات الماضية، كثفت طائرات التحالف الدولي ضرباتها على مواقع داعش في محيط كوباني.

أعمدة الدخان تظهر بعد الغارات.

ثم يعود صوت الاشتباكات.

لكن التجربة خلال الأيام الماضية أظهرت أن القصف الجوي وحده لم يمنع التنظيم من التقدم.

داعش وصل إلى المدينة رغم الضربات.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ما زالت على الأرض.

المقاتلون داخل كوباني يعرفون أن الطائرة تستطيع تدمير دبابة أو موقع، لكنها لا تستطيع وحدها الدفاع عن شارع.

العالم يرى ما يحدث

ربما تكون كوباني واحدة من أكثر معارك الحرب السورية وضوحاً أمام العالم.

الصحفيون يقفون على الجانب التركي ويشاهدون القتال.

الدبابات التركية متمركزة قرب الحدود.

الطائرات الدولية تحلق فوق المنطقة.

اللاجئون يقفون على التلال وينظرون إلى مدينتهم.

وفي الجهة الأخرى تدور المعركة.

الأمم المتحدة خرجت اليوم بتحذير واضح.

مبعوثها إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، قال إن العالم سيشعر بندم عميق إذا تمكن داعش من الاستيلاء على مدينة دافعت عن نفسها بشجاعة، ودعا المجتمع الدولي إلى التحرك.

الخوف مما سيحدث إذا سقطت المدينة

الخوف هنا لا يتعلق فقط بخسارة الأرض.

الناس يعرفون ماذا فعل داعش في مناطق أخرى من سوريا والعراق.

قتل، خطف، تهجير وفرض سلطته بالقوة.

لذلك فإن دخول التنظيم إلى كوباني لا يُنظر إليه باعتباره مجرد تبدل عسكري في السيطرة.

هناك خوف حقيقي على من بقي في المدينة.

ولهذا تبدو معركة اليوم مختلفة عن أي مرحلة سبقتها.

قبل ثلاثة أسابيع كان يمكن للمدني أن يهرب من القرية إلى المدينة.

بعدها أصبح الهرب من المدينة إلى الحدود.

أما الآن، فلم يعد هناك الكثير من الأماكن التي يمكن التراجع إليها.

كصحفي من كوباني

خلال الأسابيع الثلاثة الماضية تغيرت اللغة التي نستخدمها في كتابة الأخبار.

في البداية كتبنا عن «تقدم داعش في الريف».

بعد أيام أصبحنا نكتب عن «اقتراب داعش من كوباني».

اليوم نكتب أن التنظيم دخل أطراف المدينة.

بالنسبة للصحفي، يمكن لهذه الجمل أن تبدو مجرد تحديثات عسكرية.

لكن بالنسبة لمن يعيش هنا، كل واحدة منها تعني مرحلة جديدة من الخسارة.

حين تسقط قرية، هناك عائلات فقدت بيوتها.

وحين تدخل الحرب إلى المدينة، يصبح مصير الجميع مرتبطاً بما سيحدث في الشارع التالي.

لا أعتقد أن أحداً في كوباني اليوم يتعامل مع هذه المعركة باعتبارها مواجهة بين قوتين عسكريتين فقط.

بالنسبة لأهل المدينة، المسألة أبسط وأقسى من ذلك.

إما أن يمنعوا داعش من السيطرة على مدينتهم، أو يفقدوا المكان الذي عاشوا فيه طوال حياتهم.

كوباني لم تسقط

هذا هو أهم ما يمكن قوله حتى هذه اللحظة.

داعش دخل أجزاء من المدينة.

رفع راياته على مواقع في الجهة الشرقية.

ويملك أسلحة أثقل من أسلحة كثير من المدافعين عنها.

لكن كوباني ما زالت تقاتل.

ولا أحد يستطيع أن يعرف كيف ستبدو الخريطة غداً.

قد يتقدم التنظيم أكثر.

وقد ينجح المدافعون في إيقافه.

لكن حتى مساء السابع من أكتوبر، لم يحصل داعش على ما جاء من أجله.

المدينة لم تسقط.

زر الذهاب إلى الأعلى