إعداد وتحرير: رامان عيسى
على مدار أكثر من ثمانية أعوام، تعيش محافظة الحسكة ومدينة تل تمر وريفهما واحدة من أخطر أزمات المياه في تاريخ المنطقة الحديث. أزمة لم تعد شأناً خدمياً عابراً، بل تحوّلت إلى ملف إنساني وسياسي ثقيل، يطال حياة أكثر من 1.5 مليون شخص يعتمدون بشكل شبه كامل على محطة علوك كمصدر رئيسي لمياه الشرب.
تقع محطة علوك في ريف بلدة سري كانيه، وقد صُممت قبل الحرب لضخ نحو 175 ألف متر مكعب من المياه يومياً عبر شبكة أنابيب تمتد لأكثر من 67 كيلومتراً، لتغذي مدينة الحسكة وريفها وعدداً من البلدات المجاورة. غير أن المحطة خرجت عن الخدمة أكثر من 40 مرة خلال السنوات الماضية، نتيجة التعطيل المتكرر المرتبط بالتطورات العسكرية والسياسية منذ سيطرة الفصائل المدعومة من تركيا على المنطقة عام 2019.
هذا الانقطاع المزمن انعكس بشكل كارثي على مختلف جوانب الحياة اليومية. فالمياه، التي تُعد الركيزة الأساسية للزراعة والصناعة والتجارة، تحوّلت إلى عبء يومي يثقل كاهل السكان، خصوصاً في فصل الصيف، حيث يُجبر الأهالي على الاعتماد على مياه الصهاريج كمصدر بديل، رغم رداءة نوعيتها وارتفاع تكلفتها.
ورغم محاولات الإدارة الذاتية إيجاد حلول جزئية للأزمة عبر حفر آبار جديدة أو تنفيذ مشاريع بديلة، إلا أن هذه الجهود اصطدمت بجملة من التحديات، أبرزها سوء نوعية المياه الجوفية في ريف الحسكة وتل تمر، إضافة إلى الجفاف ونضوب المخزون المائي. وقد تعثرت مشاريع مائية قُدّرت كلفتها بعشرات ملايين الدولارات دون الوصول إلى نتائج مستدامة، في ظل استمرار العوامل السياسية والأمنية التي تحول دون أي حل جذري.
شيار جميل، أحد سكان مدينة الحسكة، يصف ما يجري بأنه حرب مياه تُضاف إلى معاناة الناس اليومية. ويقول إن قطع المياه عن محطة علوك دفع السكان إلى شراء مياه الصهاريج لاستخدامها في الشرب والغسيل وكافة الاحتياجات المنزلية، رغم إدراكهم لمخاطرها الصحية. ويوضح أن تكلفة شراء المياه خلال أشهر الصيف تتراوح بين 50 و70 دولاراً شهرياً للأسرة الواحدة، وهو مبلغ يشكل عبئاً ثقيلاً في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد صحية مقلقة. خبات أحمد، وهي من سكان الحسكة، تشير إلى أن أطفالها يعانون مع قدوم كل فصل صيف من حالات تسمم والتهابات معوية نتيجة الاعتماد على مياه غير صالحة للشرب. وتؤكد أن المستشفيات والمراكز الصحية تسجل ارتفاعاً ملحوظاً في الإصابات المرتبطة بالمياه الملوثة، لا سيما بين الأطفال وكبار السن. وتزداد المعاناة مع الارتفاع الكبير في أسعار المياه المعدنية، نتيجة انخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار.
بيانات صحية محلية تؤكد تسجيل آلاف الحالات من الأمراض الهضمية والتسممات خلال فترات الانقطاع الطويلة، ما دفع منظمات حقوقية وإنسانية إلى التحذير من استخدام المياه كأداة ضغط في النزاعات. وفي هذا السياق، وردت الأزمة إلى المقررين الخاصين للأمم المتحدة المعنيين بالحق في المياه والصرف الصحي والصحة والبيئة والغذاء، حيث اعتُبرت أزمة المياه في شمال شرق سوريا انتهاكاً للحق الأساسي في الحصول على مياه شرب آمنة وكافية، وهو حق مكفول بموجب قرارات ومعاهدات دولية، مع دعوة صريحة إلى تحرك دولي عاجل لمعالجة الأزمة ومنع استخدامها كورقة سياسية.
في المقابل، تنفي تركيا مسؤوليتها المباشرة عن قطع المياه، وتُرجع توقف المحطة في مناسبات عدة إلى انقطاع التيار الكهربائي عنها، بينما تتهم الإدارة الذاتية والفصائل المحلية الجانب التركي باستخدام المياه كورقة ضغط على السكان. هذا التراشق بالاتهامات، في ظل غياب آلية رقابة دولية فاعلة، أبقى أكثر من مليون إنسان رهائن لأزمة تتجدد مع كل توتر سياسي أو تصعيد ميداني.
وتتفاقم الأزمة أكثر في ظل أسوأ موجات جفاف تشهدها المنطقة منذ عقود، مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع منسوب المياه في الأنهار، ما جعل الحلول البديلة محدودة وغير قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
ومع استمرار هذه الأزمة الخانقة، يعلّق سكان الحسكة آمالهم على التفاهمات والاتفاقيات السياسية والأمنية الجارية بين الأطراف الفاعلة في المنطقة، على أمل أن تفضي إلى إعادة تشغيل محطة علوك بشكل مستقر ودائم. وبين انتظار الحلول وتكرار الانقطاعات، يبقى سؤال واحد يتردد في بيوت الحسكة وقراها:
متى تخرج المياه من دائرة الصراع، وتعود محطة علوك للعمل، لتطوي صفحة سنوات طويلة من العطش والمعاناة؟







































