الرئيسية

كوباني بعد دخول داعش.. مدينة تقاتل من شارع إلى شارع

التنظيم يسيطر على مبانٍ حكومية ويتقدم داخل المدينة، فيما يتمسك المقاتلون الأكراد بمواقعهم وسط تحذيرات دولية من كارثة إنسانية

جومرد حجي عبد القادر – كوباني

من ينظر إلى كوباني اليوم من الجانب الآخر للحدود لا يرى المدينة التي كانت هنا قبل شهر.

الدخان يغطي أجزاء منها، أصوات الاشتباكات لا تتوقف طويلاً، ومناطق كانت قبل أسابيع أحياءً سكنية عادية أصبحت خطوط مواجهة بين مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» والقوات الكردية المدافعة عن المدينة.

داعش لم يعد على أبواب كوباني.

إنه داخلها.

خلال الأيام الماضية تمكن التنظيم من توسيع سيطرته في الجهة الشرقية والجنوبية، فيما سقطت أمس المنطقة التي تضم عدداً من المباني الحكومية، بينها مركز الشرطة ومبنى البلدية.

لكن التنظيم، رغم هذا التقدم، لم يستطع حتى الآن إنهاء المعركة.

المقاتلون الأكراد ما زالوا يسيطرون على أجزاء مهمة من المدينة ويمنعون داعش من الوصول بسهولة إلى مركزها ومعبرها الحدودي الأخير مع تركيا.

الحرب بين منزل ومنزل

ما يجري الآن لم يعد يشبه القتال الذي شهدناه في الريف.

المعركة أصبحت بين البيوت.

المسافات بين الطرفين تقل أحياناً إلى عشرات الأمتار، والمقاتلون يتحركون بين الشوارع والأبنية، ما يجعل حتى الغارات الجوية أكثر تعقيداً.

عصمت الشيخ، رئيس مجلس الدفاع في كوباني، وصف المشكلة اليوم بأنها «حرب بين البيوت»، مشيراً إلى أن داعش يواصل دفع الدبابات والمدفعية باتجاه الجبهات رغم الضربات الجوية.

هذه واحدة من أخطر المراحل التي وصلت إليها المعركة حتى الآن.

فكلما دخل داعش أعمق إلى المناطق السكنية، أصبحت قدرة الطائرات على ضربه من دون تعريض الآخرين للخطر أقل.

وهكذا يعود العبء الأكبر مرة أخرى إلى المقاتلين على الأرض.

مباني الدولة في يد داعش

سيطرة داعش على المنطقة الحكومية في كوباني تحمل معنى يتجاوز المباني نفسها.

مركز الشرطة والبلدية ومقار إدارية أخرى أصبحت ضمن المناطق التي وصل إليها التنظيم.

ومن الناحية العسكرية، تعني هذه السيطرة أنه استطاع التقدم إلى عمق أكبر مما وصل إليه قبل أيام.

لكن هناك مفارقة أخرى يصعب تجاهلها.

هذه المباني تحمل اسم الدولة السورية، لكن الدولة نفسها ليست موجودة للدفاع عنها.

منذ انسحاب القوات الحكومية من كوباني قبل نحو عامين، أصبحت القوات المحلية الكردية القوة الأساسية الموجودة في المدينة.

واليوم، عندما دخل داعش مباني يفترض أنها مؤسسات سورية، لم يكن الجيش السوري هو الذي يقاتله لاستعادتها.

من يقاتل هم أبناء المدينة والقوات الكردية.

ومن يهاجم مواقع التنظيم من الجو هو تحالف دولي.

أما دمشق فتبقى غائبة عن أرض المعركة.

بالنسبة لمن يعيش هذه اللحظة، من الصعب ألا يطرح سؤالاً بسيطاً:

إذا كانت كوباني مدينة سورية، فمن المفترض أن يدافع عنها عندما يسيطر تنظيم مثل داعش على مباني الدولة فيها؟

المخرج الأخير

الخطر الأكبر الآن هو محاولة داعش الوصول إلى المعبر الحدودي مع تركيا.

هذا الطريق هو آخر منفذ رئيسي يربط المقاتلين والمدنيين المحاصرين بالعالم الخارجي.

خلال الساعات الماضية حاول التنظيم التقدم باتجاهه أكثر من مرة.

القوات الكردية تدرك أن فقدان هذا الطريق سيغير طبيعة المعركة بالكامل.

إذا أغلق داعش المعبر، فستصبح المدينة شبه محاصرة من جميع الجهات.

الأمم المتحدة قالت أمس إن كوباني باتت محاصرة عملياً باستثناء منفذ ضيق باتجاه الحدود التركية.

مدنيون ما زالوا في الداخل

رغم أن أكثر من مئتي ألف شخص من سكان كوباني والمنطقة المحيطة بها فروا إلى تركيا منذ بدء الهجوم، ما زال مدنيون داخل المدينة وفي المنطقة القريبة من الحدود.

الأمم المتحدة قدرت وجود نحو 500 إلى 700 شخص، معظمهم من كبار السن، داخل مركز المدينة، إضافة إلى ما بين 10 آلاف و13 ألف مدني في المنطقة القريبة من الحدود السورية التركية.

هؤلاء أصبحوا اليوم أمام خطر حقيقي.

ليس لأن المعركة تقترب منهم.

بل لأنها أصبحت حولهم.

مدنيون بقوا في منازلهم يعيشون على ما خزّنوه من مياه وطعام، فيما تجعل الاشتباكات والخوف من القناصة والخطف مجرد الخروج إلى الشارع مخاطرة.

تقارير من داخل المدينة تحدثت عن جثث بقيت في بعض الشوارع لأن القتال منع الناس من الوصول إليها.

تحذير من مجزرة

لهجة الأمم المتحدة تغيرت خلال الأيام الماضية.

لم تعد تتحدث فقط عن النزوح أو الأزمة الإنسانية.

أصبحت تتحدث عن احتمال وقوع مجزرة.

المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا حذر أمس من أن آلاف المدنيين قد يُقتلون إذا تمكن داعش من الاستيلاء الكامل على كوباني، وشبّه الخطر بما حدث في سربرنيتسا خلال حرب البوسنة.

وقال إن العالم يعرف بالفعل ما يمكن أن يفعله داعش بالمدنيين والنساء والأطفال والأقليات عندما يسيطر على مدينة.

بالنسبة لأهالي كوباني، لا يحتاج هذا التحذير إلى كثير من الشرح.

هم يعرفون التنظيم.

رأوا ما حدث في القرى.

وسمعوا ما فعله في مناطق أخرى من سوريا والعراق.

لهذا خرج معظم السكان قبل وصوله.

ومن بقي في الداخل يعرف اليوم أن نتيجة المعركة ليست مجرد تغيير للجهة التي ترفع علمها فوق مبنى حكومي.

السيارات المفخخة تدخل المعركة

داعش يحاول كسر خطوط الدفاع باستخدام أساليب مختلفة.

خلال الأيام الماضية دفع التنظيم بسيارات مفخخة باتجاه المواقع الكردية في محاولة لفتح ثغرات داخل المدينة.

المقاتلون الأكراد تمكنوا من إيقاف عدة هجمات من هذا النوع قبل وصولها إلى أهدافها، وفق شهادات من داخل كوباني.

هذا النوع من الهجمات يعكس طبيعة المعركة الحالية.

التنظيم لم يعد يحاول فقط التقدم بالدبابات والمدافع من خارج المدينة.

إنه يبحث عن أي وسيلة لاختراق الأحياء التي ما زالت تحت سيطرة المدافعين.

الطائرات تضرب.. وداعش يعود

التحالف الدولي كثف غاراته خلال الأيام الأخيرة.

الولايات المتحدة قالت إنها نفذت عدة ضربات على مواقع داعش قرب كوباني، واستهدفت آليات ومقاتلين ومواقع للتنظيم.

في بعض الأحيان يشاهد الناس من الجانب التركي الانفجار ثم يصفقون.

لكن بعد دقائق يعود صوت إطلاق النار.

هذه الصورة تتكرر.

الغارة تستطيع تدمير دبابة أو مدفع.

لكن بعد ذلك تستمر المعركة.

وفي حرب الشوارع يصبح من الصعب أحياناً التمييز من الجو بين موقع داعش والموقع الكردي عندما لا يفصل بينهما سوى منزل أو طريق.

لهذا لا يزال المقاتلون داخل المدينة يطالبون بضربات أكثر دقة وفعالية ضد الأسلحة الثقيلة التي يستخدمها التنظيم.

أين دمشق؟

بعد قرابة شهر من بدء الهجوم، أصبح غياب الحكومة السورية أكثر وضوحاً.

داعش استولى على مئات القرى.

أكثر من مئتي ألف شخص نزحوا.

المدينة تعرضت للقصف والحصار.

ثم دخل التنظيم إليها وسيطر على مبانٍ حكومية.

ومع ذلك، لا توجد قوة حكومية سورية على الأرض تخوض هذه المعركة.

من داخل كوباني، يبدو هذا الغياب جزءاً من القصة نفسها.

فحين تتحدث الدولة عن سيادتها على أراضيها، ثم يهاجم تنظيم متطرف مدينة سورية بهذا الحجم ولا يظهر الجيش للدفاع عنها، يصبح من الطبيعي أن يسأل أهل المنطقة عن معنى تلك السيادة بالنسبة إليهم.

المفارقة اليوم أن من يحاول منع داعش من السيطرة على مدينة سورية هم أساساً مقاتلون كرد محليون، في حين تأتي القوة الجوية التي تساندهم من خارج سوريا.

هذا الواقع لن يكون من السهل على سكان المنطقة نسيانه بعد انتهاء المعركة، مهما كانت نتيجتها.

داعش لم يحصل على المدينة كاملة

صحيح أن التنظيم تقدم.

وصحيح أنه دخل أحياء جديدة وسيطر على مبانٍ مهمة.

لكن هناك فارقاً بين الدخول إلى كوباني والسيطرة عليها.

ذلك الفارق يصنعه اليوم المقاتلون الموجودون في الشوارع.

فجر اليوم شن داعش هجوماً جديداً باتجاه مركز المدينة، واندلعت اشتباكات عنيفة استمرت نحو ساعة ونصف قبل أن يتمكن المدافعون من إيقاف التقدم وإجبار عناصر التنظيم على التراجع في ذلك المحور.

التنظيم يدفع بمزيد من الرجال والسلاح.

لكن كل شارع يأخذه يحتاج إلى قتال.

وهذا شيء لم يكن واضحاً عندما بدأ الهجوم في سبتمبر.

آنذاك كان داعش يسيطر على القرى بسرعة كبيرة.

داخل كوباني، تغيرت المعادلة.

كصحفي يشاهد مدينته تتغير

خلال أقل من شهر كتبت عن كوباني أربع مرات.

في البداية كانت القصة عن القرى التي يتركها أهلها.

ثم أصبحت عن تنظيم يقترب من المدينة.

بعدها كتبنا أن داعش دخل أطرافها.

واليوم نكتب عن قتال يجري داخل شوارعها وعن مبانٍ حكومية أصبحت تحت سيطرة التنظيم.

هذه ليست مراحل نظرية في حرب.

كل مرحلة تركت وراءها بشراً فقدوا شيئاً.

من فقد قريته.

ومن فقد منزله.

ومن عبر الحدود ولا يعرف إن كان سيعود.

ومن بقي داخل المدينة لأنه قرر القتال.

من موقع الصحفي، يمكن تسجيل عدد الغارات وعدد الأحياء وتغيير خطوط السيطرة.

لكن من موقع ابن هذه المنطقة، الصورة أبسط من كل الخرائط.

هناك مدينة يحاول داعش أخذها بالقوة.

وهناك أناس قرروا ألا يعطوه إياها بسهولة.

المعركة لم تنته

لا أحد يستطيع اليوم القول إن كوباني نجت.

ولا يمكن القول إنها سقطت.

التنظيم يسيطر على أجزاء منها، والقوات الكردية ما زالت تقاتل في أجزاء أخرى.

الطائرات تضرب من السماء.

والمدفعية والسيارات المفخخة والرصاص تحدد شكل المعركة على الأرض.

خلف الحدود يقف عشرات الآلاف ممن خرجوا من المدينة وقراها، يراقبون الدخان القادم من المكان الذي يسمونه بيتاً.

أما داخل كوباني، فالمعركة مستمرة من شارع إلى آخر.

داعش دخل المدينة.

لكنه حتى مساء 11 أكتوبر/تشرين الأول 2014 لم يستطع أن يقول إنه امتلكها.

زر الذهاب إلى الأعلى